كلمـــــة
الدكتور/ سالم أحمد سلامة  
 رئيس مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد ... ،
السادة العلماء ، السادة الوزراء ، السادة الضيوف ، السادة الحضور كل باسمه ولقبه ،
                   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم آياته :( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد:19) جعل العلم أول طريق العبادة الحقة .
 وقال تعالى : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) جعل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى على بصيرة بسبيل الدعوة وأحوال المدعوين وما يليق بهم ، طريقاً للنبي e وورثته من العلماء الدعاة .
وقال سبحانه وتعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33) فلم يجعل رب العزة والجلال أحداً أحسن قولاً من الدعاة إلى الله سبحانه إذا عملوا صالحاً ، وأعطوا الولاء لله سبحانه وتعالى خالصاً . وهم الذين يقومون بما قام به الأنبياء والرسل الكرام ، من إخراج الناس من الظلمات إلى النور . فليس أحد من العالمين أحسن ديناً ولا خلقاً ولا سلوكاً منكم وأنتم تسلمون أنفسكم لله رب العالمين ، وتسيرون في دعوتكم غير آبهين بما يكيده الطواغيت والأعداء ، سالكين طريق محمد وإبراهيم عليهم السلام . قال تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) (النساء:125)
          ينعقد مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر ، في فلسطين ، وعلى أرض الجامعة الإسلامية بغزة ، في ظل ظروف صعبة ، تمر بأمتنا العربية والإسلامية ، ربما لم يسبق لأمتنا أن واجهتها من قبل ، لقد عاد الاحتلال الأجنبي إلى ديارنا بعد أن غادرها منذ ستينيات القرن الماضي ، حيث تم احتلال قطرين أحدهما إسلامي وهو أفغانستان ، والآخر عربي وهو العراق . ويتم تهديدنا بمزيد من أعمال الاحتلال والتقسيم ، وهكذا بدأنا نغرق في مستنقع الاحتلال الأجنبي الأمريكي هذه المرة .
          ويتواكب مع أعمال الاحتلال تلك ، مخططات لتغيير أمتنا من الداخل ، لتشويه الجسد والعقل وإخضاعه لعمليات تستهدف السيطرة على بلادنا وامتصاص مواردنا ونزف قدراتنا .
          وهكذا تزداد التبعة على الدعاة ، لتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. ومن ثم تحرير البلاد من دنس المشركين والمغتصبين.
          إن المخطط المسمى المشاركة الأمريكية الذي أعلنه كولن باول وزير خارجية أمريكا السابق منذ عامين ، قد ارتبط بمخطط آخر من الاتحاد الأوروبي ، وأوراقه تنم عن فكر استعماري جديد يوجه لبلادنا العربية والإسلامية بشكل خاص ، ويقدم برامج يجب أن تنفذ في بلادنا ، يأتي في مقدمتها إصلاح التعليم ، والتعليم الديني بوجه خاص ، وهو يقوم على زعم غير صحيح بأن تعليمنا متخلف ويشيع قيماً تنتج متطرفين وإرهابيين ، ونحن إذا كنا لا نرفض النصيحة ، والأخذ بالمقومات المساعدة على التقدم في المجال العلمي ، إلا أننا لا نقبل الاتهامات التي توجه إلى برامجنا التعليمية ، في مجال المادة الدينية بأنها تشجع على التطرف والإرهاب ، فهي مزاعم لا تقوم على أساس سليم ، ولا تعرف إلا القليل عن الفكر الإسلامي ، لذا نرفض هذه التوجهات، ونرفض تغيير حرف من القرآن الكريم أو من سنة نبينا محمد e .
          ويقوم التوجه الأمريكي الثاني على مقولة أن المرأة في بلادنا مسلوبة الحقوق ، منحطة في وضعها الاجتماعي والتربوي والتعليمي ، وهي أفكار في جملتها خاطئة ، وتحمل في طياتها رغبات محمومة في النفاذ إلى أعماق مجتمعاتنا ، وهدم قيمنا وتقاليدنا ، فالمرأة لها حقوق متساوية مع الرجل في شريعتنا قال تعالى : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:228) والمرأة في بلادنا تعرف قدرها في الشريعة ، وهي تقاوم التوجه الذي يسعى لفصم العرى الوثيقة التي أقامها الإسلام بين الرجل والمرأة على المودة والرحمة . وربما يقول بعض الفلاسفة : إن المرأة نصف المجتمع أو يزيد ، فنقول لهم : إن المرأة هي المجتمع كله ، لأنها النصف وتربي النصف الآخر . فهي الأم والبنت والزوجة والأخت والعمة والخالة ، وهي التي تربي الأبطال الذين يذودن عن حياض الدين والعرض والوطن.
          أما التوجه الثالث فيتصل بإصلاح الأنظمة السياسية وتطبيق ما يسمى بالديمقراطية الغربية ، وتوسيع مشاركة المرأة في الحياة السياسية وهو ما يركز عليه البرنامج الأوروبي للمشاركة ، وإذا كنا لا نرفض دعاوى الإصلاح جملة ، إلا أننا لا بد أن نقرر أنه لا توجد تجربة سياسية بعينها تصلح لكل المجتمعات،كما أن الديمقراطية الغربية منتقدة الآن في أمريكا وأوروبا نفسها . إننا لا يمكن أن نقبل إصلاحاً من الخارج ويجب أن تنضج تجارب مجتمعاتنا بالتطوير المستمر وتبادل الخبرات بين دولنا للدفع بالرقي والتقدم إلى الأمام . وتجتهد مجتمعاتنا لإصلاح النظام التعليمي وتطويره وكذلك أنظمتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وهي إحدى الوظائف المستمرة لكل مؤسسات المجتمع ، كل في مجاله ، وعلى رأسها الجامعات ، ونعتقد أن ما تقدمه الجامعة الإسلامية بغزة ، في مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر عبر هذه البحوث العلمية المحكمة ، وما سبق لها من إسهامات في المؤتمرات السابقة ، المؤتمر الدولي للهندسة وتطوير المدن ، والمؤتمر الدولي الأول للعلوم والتنمية ، ومؤتمر التربية في فلسطين ومتغيرات العصر ، ومؤتمر الشيخ الإمام الشهيد أحمد ياسين ، والمؤتمرات اللاحقة ، مثل مؤتمر التجارة القادم ، نعتقد أنها تساهم في تطوير العلم والبحث العلمي .
          إن ما تحتاج إليه أمتنا ومجتمعاتنا كثير ، ولكننا في مرحلة من النهوض والنمو تحتاج إلى تعاون بين جامعاتنا ودولنا ، نحن أدرى بظروفنا وبما نحتاج إليه، ولدينا ما يرشدنا إلى الخير وإلى الطريق السوي ، كما أنه لدينا ما يمكن أن نقدمه إلى العالم ، وأن نريها كيف أن التقدم المادي ليس وحده هو المنقذ للإنسانية ، فالغرب يعاني اليوم أكثر من غيره من الانحلال الأخلاقي، ونريها أن القيم الأدبية والأخلاقية التي يمكن أن نقدمها للغير ، هو الكفيلة أكثر بتحقيق رقي الإنسان وسعادته على الأرض .
                   لا تحسبنَّ العلمَ ينفعُ وحدَه            ما لم يُتَوج ربُّه بخلاقِ
          وأخيراً أتوجه بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إنجاح مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر ، ولكل من دعم مادياً أو معنوياً ، وأقول لهم جميعاً جزاكم الله خيراً .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،